أنت هنا

يسرني أن أوجه كلمتي هذه إلى جميع المهتمين "بأمن المعلومات وتقنياتها". ولا شك أن الاهتمام بهذا الأمر لا يقتصر فقط على النخبة العلمية والمهنية المُتخصصة في مجالات تقنيات المعلومات المُختلفة، بل يشمل أيضاً جميع الناس، فالجميع يحتاجون إلى أمن المعلومات على المستوى الشخصي، ويستفيدون من هذا الأمن على المستويين الوطني والدولي. فمع الاعتماد المُتزايد على تقنيات المعلومات في شتى المجالات، ومع التواصل والعولمة المعلوماتية المُتصاعدة عبر الإنترنت، باتت قضية "أمن المعلومات" أولوية رئيسة لحماية الأمن الوطني والعالمي في هذا العصر إن عالم اليوم في تأسيسه لعالم الغد يسعى إلى المزيد من الاعتماد على التقنية عموماً وعلى "تقنيات المعلومات والاتصالات" بصورة خاصة، ويعمل على الاستفادة من هذه التقنيات على أفضل وجه مُمكن.

هذا ما ورد في "الهدف الرابع" من أهداف مُؤتمر قمة الألفية الذي عقدته مُنظمة الأمم المُتحدة عام 2000 مع دخول العالم إلى الألفية الثالثة للميلاد. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن مسيرة عالم اليوم نحو المُستقبل هي مسيرة تدعم الوسائل التقنية من أجل خدمة الإنسان في كُل مكان.  ولا بُد لنا من أن نعي ذلك، وأن نستعد لنكون عنصراً فاعلاً ومُؤثراً في هذا المسيرة، لا أن يقتصر دورنا على التأثر بها وتلمس خطواتها فقط. ولا شك أن فوائد التقنية لا تأتِ بدون مخاطر أو مشاكل، فإذا كُنا نسعى إلى الحصول على الفوائد المنشودة، فإن علينا أن نحمي أنفسنا من المخاطر المُحتملة. ولهذا الأمر أبعاد كثيرة في إطار "المعلومات وتقنياتها". فقد باتت حياة الإنسان في هذا العصر مرتبطة بها في شتى مجالات الحياة الإنتاجية منها والخدمية. فتقنيات تصميم المُنتجات المُختلفة وتصنيعها وتسويقها باتت تعتمد على تقنيات المعلومات، والخدمات الحكومية والتعليمية والاجتماعية والصحية والأمنية باتت أيضاً تعتمد على تقنيات المعلومات. ولنا في تعبيرات "الحكومة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية والصحة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني" وتطبيقات الإنترنت المُختلفة والمتزايدة الأخرى أمثلة على ذلك.

ولا يقتصر انتشار تقنيات المعلومات وتوسع استخداماتها وزيادة الاعتماد عليها على الأمور العامة سابقة الذكر، بل يتضمن أيضاً "قضايا الأمن المُختلفة في منظورها الواسع". وهذا ما يجعل مسألة "أمن المعلومات" في مُقدمة الموضوعات التي ينبغي الاهتمام بها في المجالات المُختلفة عموماً، وفي مجال الأمن في منظوره الواسع بشكل خاص. وليس من الحكمة أن يأتي هذا الاهتمام عند مواجهة تحديات هذا الأمن، بل ينبغي أن يتم ذلك بشكل استباقي يجري الاستعداد له والتخطيط لمواجهته، حتى إذا وقعت مثل هذه التحديات، لا سمح الله، تكون الحلول جاهزة لاستقبالها وتفكيك مخاطرها.

ولا شك أن "البحث العلمي" المُنظم والناجح  هو خير طريق لتأمين الحلول الاستباقية المنشودة هذه. على أساس ما سبق برزت أمامي ضرورة  إنشاء كرسي بحثي في موضوع " أمن المعلومات". ورأيت أن يكون للكرسي ثلاثة أبعاد رئيسة للعمل: بُعد يختص بثقافة أمن المعلومات في وطننا الغالي؛ وبُعد يرتبط بالبحث العلمي والإسهام في تقديم الحلول الإبداعية المُناسبة والاستباقية لمشاكل أمن المعلومات؛ ثُم بُعد يتعلق بالتواصل والشراكة المعرفية في هذا الموضوع على المستويين الوطني والدولي. ويُواكب هذا الأمر توجهات مسيرة المستقبل المُباركة التي يقودها ولي الأمر في وطننا الغالي: خادم الحرمين  الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز حفظه الله، والنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز حفظه الله.

وقد اخترت جامعة الملك سعود، جامعتنا الوطنية الأم، مكاناً مُتميزاً لهذا الكرسي. فهذه الجامعة، بما لديها من إمكانات وخبرات، وما تتمتع به من رؤى متجددة، وما تسلكه من منهجية إدارية تعتمد على الشراكة والتعاون، تُمثل الأمل المعقود على المعطيات المنشودة لهذا الكرسي.  نأمل من هذا الكرسي أن يُثري ثقافة أمن المعلومات ويبني قاعدة معرفية مُتميزة لحماية هذا الأمن في وطننا الغالي، وأن يُسهم من خلال ذلك في حماية الأمن الوطني الشامل بمعناه الواسع. ونتطلع إلى هذا الكرسي أيضاً كمنارة وطنية في تقديم البحوث والدراسات العلمية في مجالات تقنيات أمن المعلومات التي يُمكن أن تُقدم الخير للإنسان حيثما كان.

والله ولي التوفيق.

مُقرن بن عبد العزيز آل سعود